السيد علي الموسوي القزويني

393

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

مجموع يتصدّاه القاضي عند الترافع إليه ، من سماع دعوى المدّعي وإحضار المدّعى عليه وطلب الجواب منه ، وطلب البيّنة من المدّعي على تقدير إنكار المدّعى عليه ، ثمّ طلب تزكية الشهود أو جرحهم ، وإحلاف المنكر على تقدير عدم بيّنة للمدّعي إلى غير ذلك ممّا يستعمله القاضي في مجلس الترافع إلى أن يبلغ حدّ الحكم الإنشائي فهو حقّ للمترافعين ، والقاضي مقهور عليه فلا يقابل بعوض منهما ولا من أحدهما ولا من غيرهما . وإن أريد به خصوص الحكم الإنشائي فهو حقّ للمحكوم له فلا يقابل بعوض منه أو من غيره ، لكونه من أكل المال بالباطل . ويدلّ عليه أيضاً - بعد الإجماع المنقول المعتضد بالشهرة - صحيح عمّار بن مروان المرويّ عن الخصال قال : « كلّ شيء غلّ من الإمام فهو سحت ، والسحت أنواع كثيرة ، منها : ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة ، ومنها : أجور القضاة وأجور الفواحش ، وثمن الخمر والنبيذ المسكر ، والربى بعد البيّنة » « 1 » الخ . مضافاً إلى صحيح ابن سنان المرويّ عن المحمّدين الثلاث قال : « سئل أبو عبد اللَّه عليه السلام عن قاض بين فريقين يأخذ على القضاء من السلطان الرزق ؟ فقال : ذلك السحت » « 2 » . بناءً على كون المراد من الرزق المأخوذ من السلطان ما يأخذه القاضي على وجه الأجرة لا ما يرتزقه من بيت المال فإنّه حلال بلا إشكال ، لكون بيت المال معدّاً لمصالح المسلمين والقاضي وقضاؤه من أهمّ مصالحهم . إلّا أنّه نوقش في هذه الصحيحة من وجوه أسدّها أنّ هذا القاضي بقرينة السلطان منصوب من قبل الجائر ، ولا ريب أنّه مثل هذا الشخص غير قابل للقضاوة فيحرم عليه ما يأخذه ولو بعنوان الارتزاق من بيت المال . وقد يستدلّ أيضاً ببعض أخبار الرشوة ، بناءً على أنّها في بعض الأخبار أطلقت على مطلق العوض . وحيث انجرّ الكلام إلى ذكر الرشوة فينبغي صرف عنان البحث إليها حكماً وموضوعاً ، ببيان أنّ رشوة القاضي مع الأجرة على القضاء هل هما متّحدان أو

--> ( 1 ) المسالك 3 : 163 . ( 2 ) الوسائل 27 : 22 / 1 ، ب 8 آداب القاضي ، التهذيب 6 : 222 / 527 .